محمد بن جرير الطبري

393

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

تأويله : ولا تقربوهن في مخرج الدم ، دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها ، فيكون مطلقا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن . وفي إجماع الجميع = : على أن الله تعالى ذكره لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرَّمه في حال الطُّهر ، ولا حرِّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله في حال الحيض = ما يُعلم به فسادُ هذا القول . وبعد ، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلوا هذه المقالة ، لوجب أن يكون الكلام : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله = ( 1 ) حتى يكون معنى الكلام حينئذ على التأويل الذي تأوله ، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن في فروجهن . لأنّ الكلام المعروفَ إذا أريد ذلك ، أن يقال : " أتى فلان زَوجته من قِبَل فرجها " - ولا يقال : أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبَل فرجها في مكان غير الفرج . * * * فإن قال لنا قائل : فإنَّ ذلك وإنْ كان كذلك ، فليس معنى الكلام : فأتوهن في فروجهن - وإنما معناه : فأتوهن من قِبَل قُبُلهن في فروجهن - ، كما يقال : " أتيتُ هذا الأمرَ من مَأتاه " . قيل له : إن كان ذلك كذلك ، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره ، وأن ذلك مطلبه . فإن كان ذلك على ما زعمتم ، فقد يجب أن يكون معنى قوله : " فأتوهن من حيث أمركم الله " ، غير الذي زعمتم أنه معناه بقولكم : ائتوهن من قبل مخرج الدم ، ومن حيث أمِرتم باعتزالهن - ولكن الواجبُ أن يكون تأويلُه على ذلك : فأتوهن من قبل وُجوههنّ في أقبالهن ، كما كان قول القائل : " ائت الأمر من مأتاه " ، إنما معناه : اطلبه من مطلبه ، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب .

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " من حيث أمركم الله " ، وهو نص الآية ، ولكنه أراد " في حيث " ، كما يدل عليه سائر كلامه ، فلذلك أثبتها على الصواب إن شاء الله . وانظر ما يؤيد ذلك أيضًا في معاني القرآن للفراء 1 : 143 .